نظرية المؤامرة


المؤامرة هي عبارة عن قيام فرد أو جماعة أو دولة أو أمة من الأمم بعمل أو أعمال تهدف إلى تحقيق مصالحها أو صون حقوقها ، وفي أكثر الأحيان تتعارض مصالح تلك الجماعة أو الدولة مع مصالح الغير فتحدث أضرار بمصالح طرف آخر أو أطراف أخرى ، وفي هذا الحال يفسر المتضررون ما حدث لهم بأنه مؤامرة ..




يفزع الليبراليون دائماً إلى تكذيب نظرية المؤامرة بل والاستهزاء والتهكم بالمؤمنين بها , وأصبحت حجة نفي المؤامرة جملة وتفصيلاً من مسلماتهم الثابتة , ولهذا فمحل نفي المؤامرة عندهم هو الاستهزاء والتهكم بمعتقدها دون ذكر الأدلة والاثباتات التي تدل على حقيقة نفيهم لها , ودليل نفيهم لها هو واحد لا ثاني له هو أن الاعتقاد بنظرية المؤامرة علامة على الجهل والتخلف والسذاجة والسطحية , وما علموا أن غاية الجهل والتخلف والسذاجة والسطحية هو أن تعتقد اعتقاداً جازماً لامرية فيه , والأدلة التي تدل على وجوده واضحة مثل وضوح الشمس في رابعة النهار ...



فهذا جهل مركب لنفي الدلائل المتضافرة ونقص فهم وضعف في إدراك المعاني والحقائق ومسببات الأمور وكيفية معالجتها ...



فالكيد والمكر بالإسلام وأهله بل حتى للإنسان نفسه يثبته العقل الصحيح , فلابد وأن لكل إنسان أعداء وحسدة وحاقدون يسعون إلى تحطيم عدوهم وانتصار أنفسهم ..


ولكن بعضهم لايتبنى نفي نظرية المؤامرة جملة وتفصيلاً لفرط جهله ولكن لفرط ذكائه لعلمه بمآل تخدير المجتمعات وغفلتها عما يدور حولها , فيأكل الأعداء أكلتهم , وهم مازلوا في غفلة وسذاجة مذمومة في التيقظ لما يدور حولهم ...


وفي القرآن الكريم , قد ذكر الله كيد ومكر أعداء الرسل وأتباعهم بل ذكر أن ذلك سنة من سنن الله في خلقه , فقال جل من قائل : (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)


قال الطبري :"يقول جل ثناؤه وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا بكل قرية عظماءها مجرميها يعنى اهل الشرك بالله والمعصية له (ليمكروا فيها) بغرور من القول أو بباطل من الفعل بدين الله وأنبيائه (وما يمكرون) أي ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدهم عن سبيله، (وهم لا يشعرون) يقول لا يدرون ما قد أعد الله لهم من أليم عذابه فهم في غيهم وعقوهم على الله يتمادون".


وقال الله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدو شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوا فذرهم وما يفترون )


وقال عز وجل مبيناً عظم ذلك المكر وشناعة أمرة : فقال عز وجل (ومكروا مكرا كباراً)


وقال تعالى : ( وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)


قال ابن السعدي :"وعند الله مكرهم أي هو محيط به علما وقدرة وقد عاد مكرهم عليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال أي ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل بالحق وبمن جاء به من عظمه لتزول الجبال الراسيات بسببه عن أماكنها عن أي مكروا مكرا كبارا لا يقدر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم ويدخل في هذا كل من مكر من المخالفين للرسل لينصر باطلاً أو يبطل حقا والقصد أن مكرهم لم يغن عنهم شيئاً ولم يضروا الله شيئاً وإنما ضروا أنفسهم".


وبين سبحانه ان ذلك المكر متواصل ومستمر للصد عن دين الله فقال عز وجل (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذا تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)


وأمرنا الله بالحذر من المنافقين , فقال عز من قائل ( هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون )

والشواهد على ذلك كثيرة ..


وكان الخطاب الإسلامي قبل عقدين وأكثر يفرط تفريطاً مبالغ فيها في تفسير الأمور بعين المؤامرة مما أدى إلى نتيجة غير مرضية لتضخيم هذا الأمر وإعطائه أكبر من حجمه الطبيعي ...


فحينما نسعى إلى تكريس مفهوم النظرية في كل شيء يحدث للأمة الإسلامية والفرد والجماعة والمؤسسة والشركة ونضخم منها ونبالغ في طرحها وتفسير مجريات الأحداث بها ونتغافل عن أدوائنا الأخرى وفشائلنا المتوالية من جهات أخرى , فإن اليقظة والتنبه والحذر من كيد ومكر الأعداء لن يزيدنا إلا وهنا على وهن .. ويجعل الإنسان منكمش وضعيف ومهزوز ومستسلم لعدوه الذي لامحالة سيفتك به ويقضى على وجوده .. وهذا هو مطلب الأعداء ..

ثم بأي سلاح تستطيع دفع عدوك رغم أنك تدرك أنه أقبل عليك بسلاحه ورام قتلك ونفيك .. !!


إننا إن لم نملك سلاحاً نحمي به أنفسنا , فإننا نكون بذلك قد هزمنا أنفسنا قبل أن يهزمنا الآخرون , فلا نلومنَّ إلا أنفسنا , ولندع من تضخيم كيد الأعداء بنا ... !!

دعونا ننظر في حالنا , هل نحن فعلاً اقتدينا بالأنبياء والمرسلين والصالحين والمصلحين في تفسير الأمور والبحث عن حلول لمعضلاتنا , والأمر ببساطة شديدة هو أن الكيد والمكر موجود ولاينكرها إلا جاهل أو متجاهل لغاية في نفسه , وهذا يحتم علينا الحذر والتيقظ والتنبه , ولكن هذا الحذر لن يمنع القدر , ولهذا واجب علينا أن نسعى إلى إصلاح ذواتنا وإصلاح أنفسنا ونوقن حق اليقين أن المكر السيء لن يحيق إلا بأهله , وأن العاقبة للمتقين , وأن كيد الشيطان كان ضعيفاً , وأن الكفار لن يضرونا إلا أذى , فلا نبالغ إذن في آثار هذا الكيد والمكر والتآمر لأنهم ما يمكرون إلا بأنفسهم ولكنهم لايشعرون ...

إن معادلة التوزان والاعتدال في هذا الموضوع يجمعها قول الله تبارك وتعالى : ( وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط )
فكما أننا نؤمن بوجود الكيد , فإننا نؤمن كذلك بأننا بإيماننا وإصلاحنا لأنفسنا ننتصر على أعدائنا وأن المكر السيء لايحيق إلا بأهله ... قال الله عز وجل عمن يمكر بالمؤمنين : (والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) يبور : أي يهلك ويضمحل .

وبالمقابل يقول الله تبارك وتعالى عن عباده المؤمنين : ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد )

وكلما زادت عبودية العبد لربه زاد حفظ الله له وكفايته من شر الكائدين والماكرين به , فما على العبد بعد ذلك إلا أن يتوكل على الله ويسعى جاهداً لإصلاح نفسه ومجتمعه ويحذر ويتنبه وهو يعلم ويوقن بأن كيد الكافرين لن يضره ...

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق