الليبرالية والإسلام

الليبرالية والاسلام
بداية أحب أن أنبه أن أصل هذا الموضوع هو ردٌ لي على أحد الإخوة في إحدى المنتديات حيثُ يرى هذا الأخ - هداه الله - أنه يصح أن يكون هناك ما يسمى ( ليبرالية إسلامية ) فرددتُ عليه بهذا الرد الذي رأيتُ فيما بعد أنه يصلح أن يكون موضوعاً مستقلاً ينتفع به الجميع ويكشف بطلان هذه المقولة ( ليبرالية إسلامية ) ومن أراد الحوار أو الإضافة فأهلاً وسهلاً بالجميع .




وهذا هو نص ردي على أخونا الفاضل ( ...... ) - وفقه الله -.
فقد قلتُ في حينها :





حياك الله أخي الكريم ....... مرة اخرى في هذا الحوار الهاديء والنافع – إن شاء الله - .




يا أخي قولك ، أنك تميل مع الليبرالية الإسلامية التي لا تتعارض مع الدين الإسلامي 
.
يا اخي هذا القول هو من باب الجمع بين المتناقضين أو النقيضين ويصدق عليه قول الشاعر :




سارت مشرقةً وسرتُ مغرباً * شتان بين مشرقٍ ومغربِ




يا أخي الجمع بين الليبرالية والإسلام كالجمع بين النار والماء أو النور والظلمة أو الليل والنهار ، لأن الليبرالية تعني التحرر وتقوم على الحرية الفردية والتحرر من القيود السلطوية ( سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ) والإسلام لايقوم على مثل ذلك بل يقوم على الإنضباط في التعاملات سواء مع النفس أو مع الغير وسواء في التعملات الإقتصادية أو السياسية أو غيرها انطلاقاً من قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحيايي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين ).
يا أخي الليبرالية تقوم على الحريات المطلقة وان الفرد حر يفعل ما يشاء ، وهذا يتنافى مع الإسلام لأننا عبيد لله سبحانه ومعلوم أن العبد لا يخرج عن طاعة سيده ومولاه وعن ما امره به ونهاه عنه قال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ، وبين لنا سبحانه ان ماشرعه لنا أن فيه الخير والرحمة فقال سبحانه ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) وقال تعالى ( وما ربك بظلام للعبيد ) .
إذاً العبد المسلم مقيد بتعاليم الإسلام ومأمور بها ومنهي عن ارتكاب ما أمر بالبعد عنه وما حُرم عليه إذاً هو ليس حر حرية مطلقة بل مقيده بالشرع ، وهذا يتنافى مع مبدأ الليبرالية القائم على الحرية المطلقة ونبذ كل القيود وخاصة العقدية والدينية فمن قال ليبرالية إسلامية فعليه أن يخلع احد الثوبين إما الإسلام أو الليبرالية للتناقض والتنافر بينهما .




يا أخي الكريم الليبرالية منهج بشري من بُنيات أفكار البشر ، والإسلام دين الله الذي ارتضاه لعباده وهو الدين الخاتم الكامل الشامل لجميع شؤون الحياة كبيرها وصغيرها فردية كانت أو جماعية دنيوية أو أخروية .
إذاً محاولة القياس بينهما أو المزج بينهما مسألة غير مقبولة بتاتاً إذا كيف يقاس النور بالظلام والموت بالحياة .




وعليه ينبغي عليك عندما تقول ليبرالية إسلامية أن تُفرغ أحد المصطلحين من محتواه ، فتُفرغ الليبرالية من محتواها القائم على التحرر والحرية المطلقة وتضبطها بتعاليم الإسلام التي تضبط تصرفات الفرد مع نفسه ومع محيطه ، وحينها تكون قد اختلت صورة الليبرالية وأفرغتها من محتواها وجردتها من مصطلحها ، فيصبح أي فائدة لليبرالية حينها .
أو أنك – وحاشاك أخي الكريم – تقوم بتفريغ الإسلام من محتواه وقيمه التي تضبط تصرفات الإنسان وحرياته فتكون قد أفرغت الإسلام من محتواه وتوجيهاته الربانية – وهذه مصيبة أخرى .
يا اخي الحرية الحقيقية والتامة هي في كمال وصفاء العبودية لله وحده ، والرق كل الرق والعبودية كل العبودية هي في أن يُضيق الإنسان على نفسه ويترك رحابة الإسلام الواسعة وتقوقع في قوقعة صغيرة متمثلة في مناهج فكرية بشرية لاتُسمن ولا تغني من جوع بل فيها من الشر والمخالفة الصريحة لشرع الله الشيء الكثير .
وكما قال الأول :
ومما زادني شـرفاً وتيهـا * وكدتُ بأخمصي أطأ الثريا 
دخولي تحت قولك يا عبادي*وأن صيرت أحمد لي نبيـا




يا أخي الإسلام دين خاتم جاء للسعادة البشرية في الدارين وهو كامل شامل لكل مايصلح الحياة وجوانبها العقدية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية :




قال تعالى (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُل َفَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
وقال سبحانه ( ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) .
وقال سبحانه ( أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) .
وقال سبحانه (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيماً ) .
وقال سبحانه ( وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )
وقال تعالى ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّايَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَالْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراًقَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) .
وقال سبحانه (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) .
وقال سبحانه (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين ) .
وقال جل من قائل ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا ) .




وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على كمال الدين وأن الله لا يرضى للبشرية إلا الإسلام وأنه دين الله والفطرة التي فطر الناس عليها .
وقال صلى الله عليه وسلم ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) .




إذاً أخي الكريم – وفقك الله لكل خير – من خلال هذه النصوص والمسلمات المعلومة من الدين بالضرورة لكل مسلم أن الإسلام دين كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية وأنه من عند الله وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملاً لكل ما يصلح العباد في دنياهم وآخرتهم .
أقول إذا سلمنا بهذا وأن الإسلام يعالج كل القضايا العقدية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية بل ليس هناك خير إلا دلنا عليه ولا شر إلا حذرنا منه ، فأقول إذا كنا متفقون على هذا ، وإذا عرفنا ان الليبرالية في مبادئها واصل نشأتها قامت على الحرية الفردية المطلقة التي لا تقيدها قيود من دين أو أعراف أو عادات سواء في السياسة أو الإقتصاد أو الجانب الإجتماعي .
فلماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ونستبدل منهجاً ربانياً كاملاً شاملاً مستمد من القرآن والسنة المطهرة ، بمنهج بشري غربي قائم على الحرية الفردية وأنها غاية في سبيلها تستباح الوسائل .
والليبرالية مصطلح نشأ في فرنسا وقد اصطلحه البعض للتخلص من السلطة الكنسية وسيطرتها على المجتمع المدني آنذاك فكما هو معلوم أن الكنسية كانت تحارب العلم وأنها كانتتدعي ملكية صكوك العفران... إلخ
فنشأ هذا المصطلح للتخلص من كل القيود العقديةوالدينية والاجتماعية وكافة أشكال القيود والضوابط واتخذه مؤسسوه منهجاً فكرياً .
والليبرالية في إطارها الفلسفي تعتمد الفلسفة النفعية والعقلانية لتحقيق أهدافها، وعلى النطاق الجماعي هي النظام السياسي المبني على أساس فصل الدين عن الدولة، وعلى أساس التعددية الأيديولوجية . 
فاليبرالية تتضمن العلمانية وهي أخص من العلمانية ، أما العلمانية فهي مفهوم أوسع من الليبرالية فليس كل علماني ليبرالي ، ولكن كل ليبرالي علماني ، لأنه قد يكون شيوعي ويتبنى العلمانية كمنهج لفصل الدين عن شؤون الحياة .
والليبرالية أخي الكريم تعتمد على العقل إعتماداً تاماً ولا تعترف بمقدس أو وحي أو غيبي إلا ما يتوافق مع العقل فقط وما لايقبله يرفضونه وينبذونه ، وتدعو للتحرر المطلق وخصوصاً من الضوابط العقدية فكيف يمكن المزج أو التقارب بين هذا وبين الإسلام . 






والخلاصة والخاتمة :


أخي الكريم إذا كنت تعتقد – وهذا إن شاء الله هو الأصل فيك – أن الإسلام شامل للجوانب العقدية و الإقتصادية والسياسية والإجتماعية وأن الإسلام قد دعى إلى احترام حقوق البشر وحرياتهم في حدود الشرع وأن الفرد في الإسلام له كرامته وقيمته وأنه لايجوز المساس بشيء من ملكياته إلا بإذنه ولايجوز الإعتداء عليه بغير وجه حق ، وأن ما في الليبرالية من المُثل والإيجابيات هو موجود في الإسلام ، فإذا كنا نعتقد كل هذا – وهذه ليس مسألة اختيارية للعبد أن يُفكر فيها هل الإسلام كامل وشامل أم لا ؟ لأنه إن قال بنقصان الإسلام أو أنه في جوانب منه غير كافٍ يكون بهذا قد ارتكب مكفراً من المكفرات التي تخرجه من ملة الإسلام كما قال أهل العلم : من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر . أو اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم .




أعود بعد هذا الإستطراد لأقول إذا كنا نعتقد أن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه للبشرية وأنه كامل وصالح لكل زمان ومكان فإذاً أين الحاجة لليبرالية وعندنا ما هو خيرٌ منها بألف مرة ومرة .




وإن كان – وحاشاك وحاشا القراء الكرام – ذلك الذي يدعي الليبرالية الإسلامية يقول نعم الإسلام جيد في جوانب منه ولكنه في جوانب يحتاج للممازجة بينه وبين الليبرالية حتى يكون أكثر نصوعاً وتطبيقاً ، فعندها يكون قد نقض وعارض قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا ) وغيرها من الايات الكثيرة ، وارتكب مُكفراً من المكفرات التي ذكرها أهل العلم .
مسألة / لا يُحكم بكفر أحد إلا إذا ارتكب ما يوجب الكفر عامداً متعمداً قد توافرت فيه شروط تكفيره ، وانتفت عنه موانع التكفير من الجهل والتأويل والإكراه وغيرها مما ذكره أهل العلم ، ومع ذلك القول في ذلك هو لأهل العلم والعلماء وليس لكل أحد أن يفتي أو يطلق أحكام التكفير او التبديع أو التفسيق على هواه بل هي لأهل العلم والعلماء . 





وأخيراً أخي الكريم أن الجمع بين الليبرالية والإسلام هو جمع بين نقيضين وجمع بين خير وشر وجمع بين منهج رباني كامل معصوم ، وبين منهج بشري فيه من الخلل والخطأ الشيء الكثير .
وايضاً أقول إن هذا المصطلح ( الليبرالية الإسلامية ) مصطلحٌ مُضلل لعامة الناس فيُزين لهم مناهج فكرية منحرفة ويُمرر عليهم ضلالات الليبرالية والعلمانية وغيرها ويوهمهم أنه يمكن الجمع بين الإسلام وغيره من الأديان والملل والنحل والمناهج ، فلا يُصبح عند الناس وضوحٌ في الرؤية بل يُلبس عليهم وتتزعزع ثقتهم بدينهم ومنهج ربهم الكامل والصالح لكل زمان ومكان والذي فيه خيري الدنيا والآخرة .




وفقنا الله وإياك أخي الكريم لكل خير ودلنا على سبيل الرشاد . 




أسأل من الله أن يحفظ على هذه البلاد دينها و أمنها واستقرارها وعزها .
وأن يحفظ ولاة أمرنا وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ونائبه الثاني وأن يسددهم لكل خير ويوفقه لما فيه خير البلاد والعباد .
كما أسأله أن يكفينا شر كل من يريد شراً بهذه البلاد أو بأمنها أو بدينها أو بقيمها أو بنساءها وشبابها وأن يرد كيده في نحره سواء كان من التغريبيين المفسدين أو من التكفيريين المخربين .



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على اشرف الأنبياء والمرسلين .



كتبه /

عوض الناشري الشهري

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق