هل الخطاب الشرعي يرفض التقدم الغربي

هل الخطاب الشرعي يرفض التقدم الغربي ؟
يكرر كثير من مناوئي الخطاب الشرعي القول بأن: (الحضارة الغربية اليوم تمثل منبع العلوم ونموذج التفوق المذهل في كل الميادين والمجالات، ومن أعظم أسباب تخلفنا أن الخطاب الشرعي اليوم يقف حجر عثرة بين المجتمع المسلم والاستفادة من الغرب، وما لم يصحح الخطاب الشرعي موقفه الانفصالي هذا فهذا يعني أننا سنبقى في قعر التخلف)


نلاحظ هاهنا أن هذا التفسير لضعف الاستفادة من منجزات العلوم المدنية الغربية لا يرده هؤلاء إلى ضعف الإنفاق الحكومي في العالم العربي على البحث العلمي، وضعف الكفاءات المسؤولة عن التعليم، وإنما يردونه إلى عنجهية الخطاب الشرعي في رفض الاستفادة من تجارب الناجحين.

إلى أي مدى يا ترى يمثل هذا التفسير تفسيراً علمياً صحيحاً؟ لنحاول قراءة نماذج من مواقف فقهاء الخطاب الشرعي المعاصر تجاه الاستفادة من المنجزات الغربية:

يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:
(إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل، فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقاً، ولا أن يردوها مطلقاً، بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقاً أو نافعاً للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله والانتفاع به) [فتاوى ابن باز، 27/473]



ويشير إلى الأساس الذي يجعلنا نستفيد من هذه المنجزات فيقول رحمه الله:
(ولا حرج علينا في أن نأخذ مما وقف عليه غيرنا من أسرار الكون واكتشف من العلوم النافعة الدنيوية التي لا تخالف الشرع المطهر, وإنما تعين على حمايته من كيد أعدائه وتغني أهله عن الحاجة إلى الغير، بل يجب ذلك ويتعين على أهل الإسلام، لا تأسياً بالكفار، بل لأن دينهم الكامل يأمرهم بالحرص على ما ينفعهم, والحذر عن كل ما يضرهم، كما تقدمت الأدلة على ذلك, وهؤلاء الكفار الذين بلغوا في الاختراع الغاية لم يزدهم ما وصلوا إليه من العلم إلا كفراً وإلحاداً وهبوطاً من الأخلاق الفاضلة) [فتاوى ابن باز، 1/393]


وذات مرة سألت امرأةٌ الإمام ابن باز عن حكم الاستفادة من "المنتجات التجميلية الغربية" فكان في جوابه داخلاً في هذه القاعدة العامة أيضاً، كما يقول:
(نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح ومن طائرات ومن سيارات ومن بواخر وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله) [فتاوى ابن باز، 21/223]


ويقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهو الشيخ ابن عثيمين في عبارة حزينة على تضييع المسلمين لكافة أنواع العلوم والمنجزات فيقول:
(وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم) [فتاوى ابن عثيمين، 3/49]


وأنكر الشيخ ابن عثيمين أن يكون الأخذ مما عند الكفار تشبهاً فقال:
(وأما الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة، فلا حرج أن نتعلم مما صنعوه –أي الكفار- ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبها بهم.) [فتاوى ابن عثيمين، 3/40]

ولنعرض أيضاً نموذجاً لشخصية فقهية شديدة الحضور في الخطاب الشرعي وهو الشيخ صالح الفوزان حيث يقول:
(الدول الغربية الآن عندها الكثير من المستجدات التي يفتقدها المسلمون، وعندهم شرور كثيرة، لهذا أرى أنه لا يجوز للمسلمين أخذ كل ما لدى الغرب أو رفضه كله، بل الواجب عليهم التمحيص وأخذ ما ينفع منه وما يوافق دينه وما أرشد إليه كتابنا، وترك ما حذر منه الدين ونهانا عنه) [فتاوى الفوزان، س206]


فإذا كان هذا هو المنظور الفقهي الذي يقدمه الفوزان والذي يعتبره البعض أكثر فقهاء الخطاب الشرعي تحفظاً تجاه الأفكار الغربية، فكيف بمن هو أقل منه تحفظاً؟

يبدو لي أنه ليس من المنطقي أن نواصل استعراض نصوص بقية فقهاء الخطاب الشرعي في هذا المجال، لأن هذا الموقف "وهو الانتفاع بما لا يعارض الشريعة" ليس مجرد فتوى، بل هو أشبه بالمبدأ شديد الشيوع والعمق في الخطاب الشرعي المعاصر.

ولو رأينا انعكاسات هذه الرؤية على واقع الخطاب الشرعي لرأينا المختصين الشرعيين شديدي الاهتمام بالبرامج الكمبيوترية وتطبيقاتها واستعمالها في علومهم الشرعية، والكثير منهم شارك في برامج الابتعاث للدراسة في الخارج في تخصصات علمية دقيقة في شتى العلوم.


ولذلك يبدو لي أن من يردد أن الخطاب الشرعي يقف حائلاً دون الاستفادة من المنجزات الغربية، فهو يقدم طرحاً إنشائياً غير موضوعي لا يستند للواقع النظري والتطبيقي للخطاب الشرعي، إلا إذا كان قائل هذا الكلام ينتقد على الخطاب الشرعي تفصيله بين الموافق للشريعة والمعارض لها، وأنه يريد استبعاد هذا التفصيل والتمييز وأخذ كل ما لدى الواقع الغربي، فهذا شيء آخر.


الكاتب: إبراهيم بن عمر السكران

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق