المقاصد الشرعية والجهل الليبرالي

المقاصد الشرعية والجهل الليبرالي

تعتقد الطوائف الفكرية المعاصرة المناوئة للخطاب الشرعي بأن الخطاب الشرعي غائب تماماً عن مقاصد الشريعة، ويرددون دوماً بأن الخطاب الشرعي لو تبنى "الشاطبي" لكنا في غير الحال التي نحن فيها الآن، وحين يحاول الباحث تحديد النتائج التي يعولون على الشاطبي والموافقات، وما المخرجات التي يراهنون عليها من توسيع وجود الشاطبي وموافقاته في العقل المسلم، يجد أنها تدور حول محورين:


الأول: أنهم يعتقدون أن تواجد الشاطبي في العقل الفقهي سيدفع باتجاه "تكثيف حضور المصالح الدنيوية" في الخطاب الشرعي، باعتبار أن مقاصد الشريعة تتضمن أولوية الحفاظ على النفس، والحفاظ على المال، ونحوها، ومثل هذه الأمور لا يوفرها الفقه التقليدي.
والثاني: أنهم يعتقدون أن الشاطبي ومقاصد الشريعة سيولدان ثورة فقهية لـ"تحرير العقل المسلم" من التعقيدات الفنية الفقهية، لأن علم مقاصد الشريعة يدور حول "كليات عامة" يستطيع الجميع المشاركة فيها، وبالتالي ستضمن هذه المنهجية التخلص من سلطة النصوص الجزئية، وسلطة السلف، وسلطة الشيخ، وسلطة سد الذرائع، ونحوها من السلطات التي كبلت العقل المسلم، وهذا ما يفتح المجال واسعاً لدور العقل، والرحابة مع الاختلاف، والتسامح الفقهي، ونحوها.
هذان المحوران (تكثيف حضور المصالح الدنيوية، وتحرير العقل المسلم من السلطات الفقهية التقليدية)، هما أبرز الرهانات التي دفعت الطوائف الفكرية المعاصرة لكثرة استحضار الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ونقد الخطاب الشرعي المعاصر بأنه يقوم بعملية مقاطعة صامتة للشاطبي وموافقاته.
ما مدى يا ترى صحة هذا النقد؟ وما مدى علمية هذه الرهانات؟
لن أذيع سراً إن قلت للقارئ الكريم أنني لم ألتقِ بأحدٍ من مناوئي الخطاب الشرعي الذين يتحدثون عن الشاطبي إلا وسألته: هل قرأت الموافقات؟ فهل تصدق أن الجواب يأتي دوماً برفض خجول!
وأنا إلى هذه الساعة لم أقابل أحداً ينتقد الخطاب الشرعي بعدم تبنيه للشاطبي وهو قد قرأ فعلاً الموافقات للشاطبي.
في كل مرة أحاور شخصاً من مناوئي الخطاب الشرعي عن الشاطبي والموافقات لا أستطيع كظم تبسمي، لأن هؤلاء لو قرؤوا الشاطبي والموافقات فعلاً لفروا منها فرار المستجير من الرمضاء بالنار.
الشاطبي أصلاً يقع في الجناح المحافظ من الفقهاء، وحياته رحمه الله كانت صراعاً مع ظاهرة التساهل الفقهي والعقدي، وكتابه الموافقات من أعنف الكتب في تقويض الأطروحات العلمانية والليبرالية والتنويرية واليسارية في قراءة الإسلام، لما يتضمنه من فصول رصينة التصميم والبرهنة في ترسيخ تعظيم النصوص الجزئية، ومرجعية السلف في فهم الإسلام، ومركزية الآخرة، ونحوها من أصول أهل السنة المصادمة لطريقة الطوائف الفكرية المعاصرة.
فكيف لا أتبسم وأنا أرى مدعياً يختار أقسى القضاة عليه؟!
حسناً، لنحاول أولاً أن نفهم من هو الشاطبي عبر التعرف على السياق الفقهي/التاريخي الذي تحرك فيه، ثم نعرض جزءاً من مفهومه وتصوره لمقاصد الشريعة، ونختم هذا الفصل بعرض شيء من منتجات الخطاب الشرعي المعاصر في علم المقاصد.



-أزمة الشاطبي مع ظاهرة التساهل الفقهي:
كان الشاطبي في "بداية طلب العلم" يدرس عند الشيخ أبي سعيد ابن لب (782هـ) خطيب جامع غرناطة في الأندلس، وكان الشيخ ابن لب معروف بـ"التساهل الفقهي" في الفتيا في بعض الأحيان، فإذا جاءه مستفتٍ في مسألة خلافية لم يبحث في الأرجح دليلاً بل يفتي بأهون القولين على المستفتي، وهي طريقة "أخذ الأهون على الناس في الخلافيات"، وكان الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي غير مقتنع في بداية الأمر بهذه الطريقة، وتحاور الشيخ مع طلابه –بمن فيهم الشاطبي- وانفض المجلس ولم يقتنعوا بطريقته، فدعاه شيخه هو ومجموعة من الطلبة ذات يوم وناقشهم طويلاً حتى أقنعهم بقضية "تخيير المستفتي في المسائل الخلافية"، وقد روى الشاطبي نفسه هذه القصة في كراسة صغيرة كتبها أثناء بداية الطلب وكان اسمها "الإفادات والإنشادات" (وهي مطبوعة حالياً) وأكثر فيها من الفوائد عن شيخه أبي سعيد بن لب هذا، سندع الآن الشاطبي يحكي لنا هذه الواقعة، وأعتذر مسبقاً عن نقل النص بطوله ولكن قيمته التاريخية أجبرتني على ذلك، يقول الشاطبي:
(إفادة: كنت يوماً سائراً مع بعض الأصحاب إذ لقينا شيخنا الأستاذ المشاور أبا سعيد بن لب -أكرمه الله- بقرب المدرسة، فسرنا معه إلى بابها ثم أردنا الانصراف، فدعانا إلى الدخول معه إلى المدرسة، وقال أردت أن أطلعكم على بعض مستنداتي في الفتوى الفلانية وما شاكلها، وأبين لكم وجه قصدي إلى التخفيف فيها -وكان قد أطلعنا على مكتوب بخطه جواباً عن سؤال في يمين أفتى فيها بمراعاة اللفظ والميل إلى جانبه، فنازعناه فيه في ذلك اليوم، وانفصل المجلس على منازعته- فأرانا مسائل في "النهاية" و "أحكام ابن الفرس" وغيرهما، وبسط لنا فيها بما يقتضي الاعتماد على لفظ الحالف وإن كان فيه خلاف ما لنيته، بناء على قول من قال بذلك من أهل المذهب وغيرهم، وقال: أردت أن أنبهكم على قاعدة في الفتوى وهي نافعة جداً ومعلومة من سنن العلماء وهي أنهم ما كانوا يشددون على السائل في الواقع إذا جاء مستفتياً. وكنت قبل هذا المجلس تترادف علي وجوه الإشكالات في أقوال مالك وأصحابه، فلما كان بعد ذلك المجلس شرح الله بنور ذلك الكلام صدري، فارتفعت ظلمات تلك الإشكالات دفعة واحدة، لله الحمد على ذلك ونسأله تعالى أن يجزيه عنا خيراً وجميع معلمينا بفضله) [الإفادات والإنشادات، ص153]
ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يواصل الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي طلبه للعلم، ويتبحر في الاطلاع على أقوال السلف وفحص النصوص الشرعية، فاكتشف أن طريقة شيخه أبي سعيد بن لب في "الأخذ بالأيسر في الخلافيات" أنها طريقة مناقضة لأصول الشريعة، فلما صار الإمام الشاطبي معدوداً من "أهل الفتيا" في الأندلس في زمن شيخه أبي سعيد بن لب ذاته، صار لا يفتي الناس بهذه الطريقة التي اعتاد شيخه أن يفتي الناس بها، بل صار يحمل الناس –في المسائل الخلافية- على الأرجح وليس على الأيسر، وصار ينافح عن هذا المنهج عبر التنظير الفقهي والتطبيق الفتوي.
ثم كتب كتابه الموافقات، وسيطر عليه في جزء كبير من الكتاب الرد على طريقة أبي سعيد بن لب، فعقد فصولاً كثيرة كلها تدور حول نقض هذه الطريقة، أي نقد طريقة "التيسير على المستفتي بالأهون في الخلافيات"، ومن الفصول التي عقدها لذلك: تتبع رخص المذاهب، أن مقصد الشارع إخراج المكلف عن داعية هواه، وغيرها.
ثم لما انتهى من الفصول النظرية لنقض هذه الطريقة التيسيرية، عقد فصلاً آخر جاء في مطالعه قوله:
(ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة، فضلاً عن زماننا؛ تتبع رخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة).[5/84]
وحكى في هذا الفصل من حكايات وطرائف المفتين الذين يتساهلون في الفتيا على أساس الخلاف.
ومع براعة هذه الفصول التي عرضها الشاطبي، وقوة البرهنة فيها، إلا أنه يبدو لي شخصياً أن أعمق برهان عرضه هو توضيحه بأن هذه الطريقة التيسيرية تجعل "الخلاف" أقوى حجية من "الوحي" فيصير الخلاف حاكماً على الوحي، وليس العكس، كما يقول الشاطبي:
(مما في اتباع "رخص المذاهب" من المفاسد: الانسلاخ من الدين بترك "اتباع الدليل" إلى "اتباع الخلاف"، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط) [5/102]

وشرح تساؤلات أصحاب هذه الطريقة التيسيرية التي تتذرع بالخلاف فقال:
(فصل: وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار "الخلاف في المسائل" معدوداً فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم..، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع؛ فيقال "لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟" فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة) [5/92]

وأشار الشاطبي إلى احتجاج أصحاب "التيسير على أساس الخلاف" بذريعة أن "الخلاف رحمة" وتلمس من حكايته لأقوالهم ما عايشه معهم من مواجهات في هذه القضية كما يقول:
(جعل بعض الناس "الاختلاف رحمة" للتوسع فى الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد, ويقول "إن الاختلاف رحمة"، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل، أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له "لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما فى الدين من حرج" وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة) [5/94]

ويشير الشاطبي إلى أن التذرع بالخلاف للتيسير يفضي إلى الإباحة المطلقة كما يقول:
(إذا أفتى بالقولين معا على التخيير فقد أفتى فى النازلة بالإباحة وإطلاق العنان) [5/95]

وعرض الشاطبي هذا الأمر في صورة إيمانية مؤثرة جداً حيث يقول:
(إذا عرض العامي نازلته على المفتي؛ فهو قائل له "أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق" فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: "فى مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت؟" فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع..، وتسليط المفتي العامي على "تحكيم الهوى" بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه؛ رمي في عماية، وجهل بالشريعة) [الموافقات، 5/96]

ونتيجة لهذا الواقع الفقهي المتدهور فقد اعتنى بشكل كبير بإشكالية "مسائل الخلاف" وخطورتها على سلطة الوحي، ومن معالجاته لها قوله: 
(فإن في مسائل الخلاف "ضابطاً قرآنياً" ينفى اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان؛ فوجب ردها إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول ) [5/81]

ولما صار الشاطبي يحارب طريقة "التيسير على أساس الخلاف" من خلال التأصيل الفقهي والعمل الفتوي؛ نشبت بينه وبين أستاذه أبي سعيد بن لب وحشة ومنافرة، وصار أستاذه ابن لب يتهم الشاطبي بـ"التزمت الفقهي"، وانتشرت هذه التهمة بين طلاب أبي سعيد بن لب وعامة مستمعيه في دروسه، فكتب الشاطبي بعد ذلك كتابه "الاعتصام"، وخصص له مقدمة حزينة روى فيها مجموع التهم التي توجه له، وتحدث فيها عن "غربة الإسلام" بكلام يزفر بالمعاناة، ومن هذه التهم التي وجهت له أنهم حمّلوه ونسبوا إليه تهمة "التنطع الديني" كما يقول:
(وتارة أُحمل على "التزام الحرج والتنطع في الدين" وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزَم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه وإن كان شاذاً في المذهب الملتزَم أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب "الموافقات") [الاعتصام، 1/28].
وعرض تهماً أخرى كان يبدؤها بقوله (وتارة نسبت إلى.. وتارة نسبت إلى.. الخ).
والحقيقة أن الخلاف مع ابن لب لم يتوقف فقط عند قضية "التساهل الفقهي" ، بل تعداه إلى مشكلة تساهل ابن لب في "البدع العبادية" المنشرة بين عامة الناس في الأندلس، حيث كان ابن لب يتبنى تقسيم البدعة إلى الأحكام التكليفية الخمسة، مما يعني أن بعضها بدعة مستحبة وبعضها بدعة مباحة الخ، وهذا أوجد أرضية خصبة لترسيخ تساهل الناس في البدع العبادية التقليدية، فبعد أن رد الشاطبي في كتاب الموافقات على طريقة ابن لب في "التساهل الفقهي"، ألف الاعتصام ورد عليه فيه –أيضاً- في قضايا "التساهل العقدي" مع البدع، ولذلك كانت الإشكالية الجوهرية في كتاب الاعتصام هي أن "ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها" كما هو عنوان الباب الرئيسي في الكتاب، وهو استحضار واضح لتأصيلات ابن لب في قضايا البدع التقليدية.
بل ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فطلاب الشاطبي أنفسهم، يردون على ابن لب انتصاراً لشيخهم الشاطبي، كما يقول المقّري :
(ولأبي سعيد ابن لب كتاب في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل؛ انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي) [نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، 5/514]

ما سبق جزء رئيس من مكونات السياق التاريخي/الفقهي الذي سيطر على اهتمامات الإمام الشاطبي، ويظهر فيه مناهضته لظواهر التساهل الفقهي والعقدي، ومدى معاناته من الضغوط الاجتماعية في هذا المجال.
لننتقل الآن إلى فحص وتحليل الصور التي يتخيلها مناوئوا الخطاب الشرعي عن الشاطبي.

-الشاطبي وتصورات المناوئين:
أول التصورات الشائعة بين الطوائف الفكرية حول مقاصد الشريعة والموافقات والشاطبي ظنهم أن هذا العلم يؤدي إلى "التقليل من قيمة الجزئيات"، وبالتالي –كما يعبرون- تحرير الناس من مراعاة النصوص الجزئية، والاكتفاء بالاحتكام إلى كليات ومقاصد الشريعة العامة، بل يزيدون على ذلك برد كثير من النصوص الجزئية لأنها في نظرهم تخالف ما يرونه كلياً أو مقصداً من مقاصد وكليات الشريعة العامة، ولكن الشاطبي/المقاصدي - الذي يحتجون به - على خلاف ذلك، كما يقول الشاطبي في ضرورة مراعاة الجزئي والكلي كليهما:
(كما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه فهو مخطئ، فكذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه) [3/174]
وأكد على ضرورة مراعاتهما كليهما فقال:
(الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع، لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك الجزئي كذلك أيضاً، فلا بد من اعتبارهما معاً في كل مسألة) [3/176]

وله من العبارات المتناثرة في ثنايا الكتاب في التأكيد على قيمة الجزئيات الكثير ومن ذلك:
(فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي) [2/96]
(الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها) [2/96]
(الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي، لم يصح الأمر بالكلي من أصله) [2/96]

وأما في حالة تعارض الكلي والمقصد الشرعي العام مع نص جزئي، فليس صحيحاً أن الشاطبي/المقاصدي يشطب النص الجزئي ويلغيه مباشرة، بل يجمع بينهما كما هي طريقة أئمة الإسلام جميعاً، كما يقول يقول رحمه الله:
(إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، [إذ كليّة] هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي) [3/176]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي يتضمنان "تضخيم شأن المصالح الدنيوية" لتخليص الخطاب الشرعية من مركزية النظرة الأخروية، وسبب وهمهم أنهم يقرؤون بعض العبارات المنقولة عن الشاطبي في أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد، فيظنون أن المقصود هي المصالح المادية الدنيوية، بينما الشاطبي ليس هذا مقصوده، بل المصلحة عنده هي المصالح الدنيوية والأخروية، والمصالح الدنيوية ليست إلا وسيلة للمصالح الأخروية، كما أن المصدر في تعيين المصالح ليس ميولنا ورغباتنا الشخصية بل الشريعة هي التي تعين المصالح، كما يقول الشاطبي:
(المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة؛ إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور، أحدها: ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عباداً لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت) [2/63]

ولذلك فإن الشاطبي يؤكد في مواضع كثيرة من الموافقات بأن الأصل العام أن مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال أو النفس ونحوها، ومن أمثلة أقواله:
(واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع) [2/265]
(وجدنا الدين أعظم الأشياء، ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما) [2/511]

وهذه الهرمية التي يقررها الشاطبي استنبطها من استقراء الأحكام الشرعية كالجهاد الذي فيه قتل النفوس من أجل إعلاء كلمة الله، وقتل نفس المرتد من أجل مصلحة الدين، وقتال نفوس تاركي الزكاة من أجل الحفاظ على ظهور هذه الشعيرة، ونحو هذه التطبيقات الشرعية التي تتضمن أن مصلحة حفظ الدين أعظم من بقية المصالح، وقد أشار لذلك في مواضع كثيرة، وكان يكرر أن حفظ الدين أعظم من حفظ النفس، وحفظ النفس أعظم من حفظ المال، على هذا الترتيب، ومن ذلك مثلاً قوله:
(النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال؛ كان إحياء النفوس أولى. فإن عرض إحياؤها إماتة الدين؛ كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد، وغير ذلك) [2/64]

ومن تصوراتهم الشائعة ظنهم أن المقاصد والشاطبي يؤديان إلى توسيع "سلطة العقل" على حساب النصوص، بينما الشاطبي/المقاصدي يضع العقل في "مرتبة تبعية" للنصوص، كما يقول الشاطبي:
(إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً، ويتأخر العقل فيكون تابعاً، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرِّحه النقل) [1/125]

بل إن الشاطبي/المقاصدي يشكك في قدرة العقل على معرفة المصالح بالاستقلال عن النصوص الشرعية كما يقول:
(العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد القائل "إن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها بعد وضع الشرع أصولها" فذلك لا نزاع فيه) [2/78]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه "تضيق سلطة النصوص" على الحياة العامة، والتخلص من ما يسمونه "المغالاة في تديين الحياة العامة"، بينما الشاطبي/المقاصدي يرى عكس ذلك كما يقول:
 (ليس ثم مسكوت عنه بحال؛ بل هو إما منصوص، وإما مقيس على منصوص) [1/274]

ويقول أيضاً:
(لا عمل يُفرض, ولا حركة ولا سكون يدعى، إلا والشريعة عليه حاكمة، إفراداً وتركيباً، وهو معنى كونها عامة) [1/108]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تعني "فتح باب الاجتهاد" للجميع بمجرد النظر الشخصي الخاص في النصوص، بينما الشاطبي كان يدفع باتجاه تضييق باب الاجتهاد إلا لمن ملك أهلية دقيقة جداً، حتى أنه أوجب بلوغ مرتبة الاجتهاد في لغة العرب للمجتهد في الشريعة كما يقول:
(لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب) [5/57]

وتحدث عن هؤلاء الذين ينظرون في النصوص بلا دراسة لكلام العرب:
 (فإن كثيراً من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير)[1/39]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تحرر المسلم المعاصر من "سلطة السلف"، بينما الشاطبي/المقاصدي يغالي في ترسيخ مرجعية السلف في مواضع كثيرة متناثرة في الموافقات سنلتقط منها هذه الشواهد:
 (وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين؛ فهو على خطأ) [3/281]
(كل ما جاء مخالفاً لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه) [3/284]
(الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلو كان ثم فضل لكان الأولون أحق به) [3/280]
(فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف) [3/288]

وغيرها كثير من هذا النمط.

ومن الاعتبارات التي دفعت الشاطبي للتمسك بـ"مرجعية السلف" في فهم النصوص إيقاف دائرة التأويل الباطل للنصوص وتضييقها، كما يقول الشاطبي:
(لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام، لا الفروعية ولا الأصولية؛ يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون) [3/289]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي ستحرر الناس من "سلطة الشيخ" التي كبلت المسلمين كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يتوسع كثيراً في تأسيس سلطة علماء الشريعة بما لا يوجد عند غيره من علماء المسلمين أصلاً، حتى أنه جعل العالم في الأمة يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، كما يقول:
(المسألة الأولى: المفتي قائم في الأمة مقام النبي  ) [5/253]
ثم ذكر الأدلة الشرعية من آيات وأحاديث على ذلك.

بل واعتبر المفتي يقوم بدور تشريعي ولذلك يجب التسليم له كما يقول:
(المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة؛ إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول: يكون فيه مبلغاً، والثاني: يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق) [5/255]

وفي ختام هذا الفصل الذي كرسه لـ"مرجعية علماء الشريعة" ختمه بهذه الخلاصة:
(وعلى الجملة: فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقِّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله) [5/257]

بل إنه نهى عن "الاعتراض على العلماء" ووضع لذلك فصلاً مستقلاً فقال:
(المسألة الثالثة: ترك الاعتراض على الكبراء محمود، سواءً كان المعترَض فيه مما يُفهم أو لا يُفهم)[5/393]

 ثم ساق منظومة من الآيات والأحاديث للاستدلال على هذه القاعدة ثم قال:
(فالذى تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق، والجري على سنن أهل الفضل والدين والورع، إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها؛ أن لا يواجَه بالاعتراض والنقد، فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح) [5/400]

ويظن هؤلاء بربط في غاية الغرابة أن "الشاطبي امتداد لابن رشد"، ويضعونهما في منظومة تشريعية وفلسفية واحدة، ويقول بعضهم أن منهج الشاطبي في "أصول الفقه" هو العمل المكمل لمنهج ابن رشد في "الفلسفة"، وأنهما يشكلان منظومة تشريعية جديدة، وهذا الكلام عكس الواقع  تماماً، فالشاطبي مارس قطيعة مع ابن رشد وليس امتداداً له، وفكرة أنه امتداد له لا يقولها من قرأ الموافقات فعلاً، فالشاطبي لديه موقف حاسم في رفض طريقة ابن رشد، وكان الشاطبي يحتج في مناهضة طريقة ابن رشد بمنهج السلف، ومن ذلك قول الشاطبي:
(وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بـ"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل "إن الأمر بالضد مما قال" لما بعد في المعارضة، وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير؛ فلينظر امرؤ أين يضع قدمه) [4/198]

بل اعتبر أن البحث الفلسفي لا يزيد المرء إلا خبالاً كما يقول:
(ونشأت مباحث لا عهد للعرب بها وهم المخاطبون أولاً بالشريعة؛ فخالطوا الفلاسفة في أنظارهم، وباحثوهم في مطالبهم التي لا يعود الجهل بها على الدين بفساد، ولا يزيد البحث فيها إلا خبالاً) [5/404]

واعتبر الشاطبي أن البحوث النظرية إنما هي طريقة الفلاسفة المخالفة لطريقة المسلمين كلهم، كما يقول:
(تتبع النظر في كل شيء، وتطلب علمه؛ من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يُخالف السنة؛ فاتباعهم في نحلةٍ هذا شأنُها خطأ عظيم، وانحراف عن الجادَّة.) [1/54] 


بل اعتبر الشاطبي أن كل العلوم النظرية التي لا ينبني عليها ثمرة تكليفية أنها سبب للفتنة كما يقول:
(فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم) [1/53]

ولذلك ذم علم المنطق وقرر أنه لا حاجة له أصلاً في فهم الشريعة، كما يقول الشاطبي في عبارات كثيرة هذا بعضها:
 (لا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية) [5/421]
(التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية) [5/418]


ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تعني التخلص من "أغلال سد الذرائع" ومنح الحياة فسحة كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يعتبر "سد الذرائع" أحد أعظم مقاصد الشريعة، وخصص له فصولاً طويلة ساق فيها الأدلة عليه، بل هو لا يسيغ المخالفة فيه باعتباره عنده أصلاً مقطوعاً به كما يقول:
(سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع) [3/263]


ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه "تحجيم أدلة الشريعة" ليتسع للناس حرية الحركة في الحياة العامة كما يقولون، والواقع أن الشاطبي/المقاصدي ليس كذلك، بل إن الشاطبي يتوسع في الأدلة لدرجة أنه يعتبر "عمل الصحابة" نوعاً من السنة النبوية، كما يقول: 
(ويطلق أيضا لفظ "السنة" على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه) [4/290]

ثم قال في تلخيص ذلك:
 (وإذا جمع ما تقدم؛ تحصل منه في الإطلاق أربعة أوجه: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره..، وهذه ثلاثة، والرابع: ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء) [4/293]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه "التساهل الفقهي"، بينما الشاطبي بضد ذلك كلياً، ومن أمثلة فتاواه أنه اعتبر تارك صلاة الجماعة لا تقبل شهادته كما يقول:
(صلاة الجماعة، من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته؛ لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين، وقد توعد الرسول صلى الله عليه وسلم من دوام على ترك الجماعة؛ فهم أن يحرق عليهم بيوتهم) [1/211]

واعتبر أن كشف الرجل لرأسه إذا جرت العادة بتغطيته قادح في عدالة الرجل كما يقول:
(كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح) [3/489]

بل ويرى الشاطبي أن "النهي عن المنكر" لن يخلو من الإساءة للآخرين عرضاً، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في شرعيته، كما يقول:
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه أمر مشروع لأنه سبب لإقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام، وإخماد الباطل على أي وجه كان، وليس بسبب في الوضع الشرعي لإتلاف مال أو نفس، ولا نيل من عرض، وإن أدى إلى ذلك في الطريق، وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله، وإن أدى إلى مفسدة في المال أو النفس) [1/374]
وقرر أيضاً منع المرأة من الولاية العامة، ومنع المرأة من ولاية إنكاح نفسها، كما يقول في المصالح التي راعتها الشريعة في جانب المعاملات ما يلي: 
(وفي المعاملات، كالمنع من بيع النجاسات، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة، وسلب المرأة منصب الإمامة وإنكاح نفسها) [2/23]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تتضمن "ترسيخ ظاهرة الاختلاف" واعتباره ظاهرة صحية، بينما الشاطبي/المقاصدي أكثَرَ من الحط على الاختلاف في فهم الشريعة واعتباره ظاهرة مرضيّة، كما يقول في بعض معالجاته لهذه القضية:
(فإنه –أي الشارع- رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد) [5/60]
(والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثيرة، كلها قاطعة في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد) [5/61]

وعندما عرض عبارة "اختلاف العلماء رحمة" رد عليها من خلال الداخل المذهبي نفسه، كما يقول:
(وأما قول من قال "إن اختلافهم رحمة وسعة" فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: "ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد") [5/75]


هذه جولة خاطفة في المقارنة بين الصورة التي يتم ترويجها حول الشاطبي، والشاطبي الفعلي كما هو، وكل من سمع كلام هؤلاء عن المقاصد والشاطبي، ثم قرأ كتابه، فإنه سيكتشف حتماً أن هناك شاطبيين وليس شاطبياً واحداً، هناك الشاطبي الحقيقي الذي كتب الموافقات، وهناك الشاطبي المزيف الذي تمت دبلجته في المعامل الفرانكفونية وتسويقه كنسخة مقرصنة للمستهلك الكسول الذي لا يفحص مدى موثوقية ما يسمع.
هذا يعني أن الشاطبي تعرض لحملة تغريب مكثفة، ونجحت هذه الحملة –للأسف- لأننا أمام جيل يستهلك الشائعات الفكرية عن التراث الإسلامي دون أي حس علمي في تمحيصها، وهذا يعني أيضاً أن (علم مقاصد الشريعة) و (الموافقات) و (الشاطبي) بحاجة لحملة مضادة لاستنقاذها من عمليات التزييف المنظم، والحيلولة دون استغلالها في تبرير مفاهيم الإباحية الفقهية.

هذا هو المحور الأول وهو تحليل حقيقة الشاطبي وكتابه وعلم المقاصد الذي توسع في شرحه، لننتقل الآن إلى المحور الثاني لهذه الإشكالية: هل يعرف الخطاب الشرعي المعاصر أبحاث المقاصد؟
الحقيقة أنه إذا اتضحت حقيقة المقاصد والشاطبي فيبدو أننا لسنا بحاجة لهذا السؤال الثاني أصلاً، ولكن مع ذلك سنشير لبعض النماذج من دراسات الباحثين الشرعيين في علم المقاصد:

 (المختصر الوجيز في مقاصد التشريع) عوض القرني، (مقاصد الشارع الضرورية: دراسة نظرية تطبيقية) محمد بن علي المري، (اعتبار المقاصد في الشريعة) عبدالعزيز بن عبدالرحمن السعيد، (تهذيب الموافقات) للجيزاني، (مقاصد الشريعة في حفظ المال وتنميته) محمد سعد المقرن.
فضلاً عن الدروس الشرعية المنتشرة والمسجلة في شرح كتاب الموافقات للشاطبي (وممن لهم شروح على الموافقات: الشيخ ابن غديان، الشيخ عبدالكريم الخضير، د.مساعد الطيار، د.يوسف الغفيص، وغيرهم).

الكاتب: إبراهيم بن عمر السكران

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق