مفهوم الشبهة

بقلم: د. علي الحمادي


الدعوة إلى الله عز وجل شأنها عظيم، وأثرها جسيم؛ فبها تتحقق عبودية الله عز وجل في أرضه، وبها يُمكِّن الله لدينه وأوليائه، وبها يُحِقُّ الله الحق ويُبطِلُ الباطل، بل بها يرفع الله سخطه وغضبه عن خلقه

هذه الدعوة تتعرض وهي تشقُّ طريقها إلى تحدٍّ كبير، وإلى فتنٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى؛ فتارةً تُتَّهم بالنقص والقصور، وتارةً تُرمى باستغلال الدين لمصالحها الشخصية، وكثيرًا ما تُقذف بالتطرف والإرهاب والرجعية، وأحيانًا يُجَرَّح أصحابها بالانحراف الفكري أو العقدي أو الحضاري.. يقول الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)

هذه التهم وتلك الشبهات هي أسلحة فتّاكة قصمت ظهر الأمة على مرِّ تاريخها الإسلامي، بل فعلت فعلتها في أفضل جيل، وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وما فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما ومن قبل مقتل ذي النورين عنا ببعيد.

إن المسلمين اليوم يعانون الأمر نفسه، ولكن بألوان وأساليب أخرى؛ فاليهود والنصارى وبعض العلمانيين والنفعيين والحاقدين على الدعوة والدعاة يتربَّصون وينفثون سمومهم بالليل والنهار، وأحيانًا يكون مصدر هذه التهم والشبهات المسلمين أنفسهم، بل وربما بعض الأحبة الدعاة إلى الله تعالى، فتعظم المصيبة ويشتدُّ البلاء.

ونظرًا لحاجة الدعوة الإسلامية إلى التأصيل العلمي وإلى المنهجية في الفكر والعمل أكثر من حاجاتها إلى العموميات والعواطف؛ فسوف أحاول في هذه السلسلة التركيز على مسألةٍ أظنُّها مهمَّةً، وهي القواعد والأصول التي يحسُن الأخذ بها عند التعامل مع الشبهات.
مفهوم الشبهة
جاء في المعجم الوسيط: "الشُبْهَةُ: الالتباس، واشتبه الأمر عليه: اختلط، واشتبه في المسألة: شكَّ في صحتها" .
أما المفهوم الاصطلاحي للشبهة فهي كل ما يثير الشكَّ والارتياب في صدق الداعي وحقيقة ما يدعو إليه، فتمنع المدعو من رؤية الحق والاستجابة له، أو تؤخِّر هذه الاستجابة، كما أنه غالبًا ما ترتبط إثارةُ الشبهة بعادةٍ موروثة، أو مصلحة قائمة، أو شهوة دنيوية، أو حميةٍ جاهلية، أو سوء ظن، أو غبشٍ في الرؤية، فتتأثر النفوس الضعيفة المتصلة بهذه الأشياء، وتجعلها حجة وبرهانًا تدفع به الحق .
نواع الشبهات
وللشبهات أنواع عدة؛ أهمها أربعة:

1- شبهات تتعلق بعموم الإسلام:
وهي كثيرة؛ حيث أثيرت الشبهات حول تعدُّد الزوجات، والحجاب، والرقيق، وحقوق المرأة في الإسلام، وغيرها.

2- شبهات تتعلق بالداعية:
والذي يتعلق بالداعي يتمثَّل في الطعن في شخصه وسيرته وسلوكه، وإلصاق التهم به، ورميه بالسفه والجهالة والضلالة والجنون والافتراء، إلى غير ذلك مما يكون المقصود منه تنفير الناس منه وعدم الثقة به.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم اتُهم بأنه مجنون وساحر، واتُّهم من قبله موسى عليه السلام؛ حيث قال فيه فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء: من الآية 27).

وهكذا العلماء والمصلحون.. أُثيرت حولهم الشبهات الكثيرة، واتُّهِموا في عقولهم وأخلاقهم وأعراضهم.

3- شبهات تتعلق بموضوع الدعوة منهجها وأساليبها:
والذي يتعلَّق بموضوع الدعوة يتمثَّل في اتهامها بالابتداع والخروج على مألوفات الناس وتقاليدهم ونظامهم الموروث، مما يراد به تنفير الناس من الدعوة إلى الله وصدهم عن سبيله.

4- شبهات تتعلَّق بالمدعوين:
والذي يتعلَّق بالمدعوين يتمثَّل في إظهار الحرص على مصالحهم وملِّتهم ودين آبائهم والحفاظ على نعيمهم وحياتهم المطمئنة، مما يقصد منه إثارة حماس الناس ضد الدعاة إلى الله .
مصادر الشبهات
وكذلك يمكن إجمال مصادر الشبهات في أربعة مصادر رئيسة، وهي:

أولاً: الملأ:
"والغالب أن "الملأ" هم الذين يثيرون الشبهات ويزيِّنونها للناس ويشيعونها فيما بينهم ويكررونها على مسامعهم، حتى تألفها نفوس البسطاء من عامة الناس ويأخذون في ترديدها ثم تصديقها ثم تبنيها واعتبارها كالحقائق الثابتة، وعند ذلك يندفعون إلى الدفاع عنها ومخاصمة الحق وأهله من أجلها، والملأ منهم يضحكون ويسخرون؛ فقد حقَّقوا ما يريدون.

ثانيًا: المخالفون من الدعوات الأخرى:
إذ إن هناك نفوسًا مريضةً في كثيرٍ من الدعوات لا همَّ لها إلا تتبُّع عثرات أصحاب الدعوات الأخرى والتشهير بهم وإثارة الشبهات حولهم.

ثالثًا: أصحاب الشهوات والمصالح:
حيث يحرص أصحاب الشهوات على إثارة الشبهات حول الصالحين ليبرِّروا انحرافهم، وليستمروا في الحصول على شهواتهم، وليلتفت الناس إلى غيرهم فيتهموا سواهم.
رابعًا: المصادر الخارجية:
أي من خارج هذه الأمة من اليهود والنصارى والعلمانيين والشيوعيين وغيرهم .
حجة وا
إن الكثيرين ممن يثيرون الشبهات حول الدعاة إلى الله يحتجون بأن كلامهم هذا من قول الحق وإنكار المنكر، وهو في الحقيقة ليس كذلك؛ إذ يقترن بقولهم هذا من المفاسد ما يُحتِّم عدم قولها، هذا أولاً،
وثانيًا: إن إثارة الشبهات والطعن فيمن سلف أمر مذموم قديمًا وحديثًا.

يقول الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله: "ومنهم فرقة سَلِمت من جميع ما ذكرناه إلا أنه غلب عليها الطعن في أمةٍ قد سلفت، والاشتغال بعلماء مضوا، وغالبًا ما يؤتى هؤلاء من المخالفة في العقيدة، فَقَلَّ أن ترى من الحنابلة إلا ويضع من الأشاعرة، وهكذا".

إذا كان الأئمة المعتبرون كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد اتفقوا على أن لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة، فلمَ هذا التعصب؟! وما لنا لا نسكت عن أقوامٍ مضَوا إلى ربهم ولم ندْرِ على ماذا ماتوا؟! وإن يبْدُ لنا أحد ببدعة قابلناه، وأما الأموات فلِمَ ننبش عظامهم؟!.. هذا، والله، لا ينبغي" .

ويقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: "وجدنا من لا هَمَّ له إلا مشاغلة الدعاة إلى الله والتعرُّض لهم بالسبِّ والتشهير، وتأليف الرسائل في بيان مثالبهم في زعمهم، واتهامهم بالمداهنة تارةً وبالركون إلى الظالمين تارةً، وفعل بعض المعاصي تارةً، والإفتاء بما يخالف آراءهم في الدين تارةً.

ولمثل هذه الأمور التي يرونها مخالفات، وما هي بمخالفات، يستحلِّون أعراضهم، وينتهكون حرماتهم، ويفشون أسرارهم، ولا يجدون لهم دينًا في الأرض إلا تفريق جماعتهم، وتمزيق وحدتهم، وملء صدور الناس بكراهيتهم، ومحاولة فَضِّ الناس عنهم، وهذا من أكبر الآثام ومن أكبر النواقض لأصل الإيمان الأصيل، وهو أصل الولاء.

ولو فقه هؤلاء الدينَ لوجب عليهم محبة إخوانهم في الإسلام والدعاء لهم بظهر الغيب، وشد أزرهم، والنصر لهم، وبذل الأمر بالمعروف بالتي هي أحسن.

ولكن الحقد والبغضاء ملأت صدورهم، ونفخ الشيطان في قلوبهم، فتراهم يرون أكبر المنكرات فلا يأبهون، ويشاهدون أعظم الطواغيت فلا يغضبون، ولكنهم يرَون الهفوات والصغائر على إخوان العقيدة والدين وأهل الدعوة والجهاد فتحمرُّ أنوفهم، وتزبد أفواههم، ويعددون في كل مجلس مخالفتهم.

وأمثال هؤلاء الذين ساروا على درب أسلافهم في المروق من قبل؛ حيث تركوا أهل الأوثان ونصبوا العداء لأهل الإسلام.. هم أخطر على المجتمع الإسلامي من المنافق المستتر" .

ومن هنا فإن إثارة الشبهات وكَيْل الطعون والاتهامات بحجة قول الحق وإظهاره، فغالبًا ما تكون حجة واهية، يزيِّنها الشيطان في عقول ونفوس بعض الناس ليخدعوا بها أنفسهم، ويضلُّوا بها أمتهم، ويخدموا بها أعداء دينهم، فليت هؤلاء يدركون ذلك، ويفيقون من غفلتهم قبل فوات الأوان.

أهداف مروِّجي الشبه
يتبين لنا مما سبق أن مروِّجي الشبهات ومثيري الاتهامات لهم أهداف متعددة ومتنوعة، تختلف باختلاف طبيعة صاحبها ومدى صدق طويِّته، ومقدار علمه وتربيته، وسعة ذكائه وفطنته.
- فمنهم من يظن أن بفعله هذا إنما ينصر الحق وأهله ويفضح الباطل وأهله، فهو فيما يعتقد يمارس واجبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذا، وإن أخطأ الأسلوب، فإنه يبقى في دائرة الخطأ والصواب، ولا يجوز أن يُطعن في نيته وقصده.
- ومنهم من يريد بترويج الشبهات إظهارَ نفسه وإبرازَ شخصه ليشار إليه بالبنان، وليكون رمزًا للعيان، وليرتفع شأنه بين الناس؛ فهذا إنسان لم يخلص العمل لله، ويُخشى أن يُحبِطَ الله عمله وأن يجعله عبرةً لمن يعتبر.
- ومنهم من يلجأ إلى ترويج الشبهات ليعلوَ حزبه أو تظهر جماعته أو ترتفع فئته على حساب الآخرين؛ فهم متطفِّلون كالذباب الذي لا يعيش إلا في المستنقعات، ولا يقع إلا على القاذورات، فهؤلاء سيتكفل بهم الله الذي حفظ دعوته من أمثالهم، وأنى ليدٍ شلاَّء أن تحجب الشمس أو تُخفي ضوء القمر؟!.
- ومنهم من يثير الشبهات لا لشيءٍ إلا للمتعة والتلذذ، فهؤلاء مرضى؛ يحسن بهم أن يُعالجوا في المصحات النفسية والعصبية.
- وآخرون هم أعداء الإسلام من يهود ونصارى وعلمانيين وغيرهم..؛ فهؤلاء قامت دعواتهم لتدمير الإسلام وأهله، فهدفهم الرئيس هو القضاء على كل مظهر من مظاهر الدين؛ ولذلك فهم يلجئون دائمًا وأبدًا إلى إثارة الشبهات.